في ليلٍ بحريٍّ لا ينام، وقف الشيخُ على ظهر السفينة كأنّه آخر الحُماة في زمنٍ نسيَ الحُماة. ثوبه الأزرق ينسدلُ على جسده كأمواجٍ هادئةٍ تخفي تحتها صخبًا دفينًا، ويداهُ تقبضان على لوحٍ خشبيٍّ كأنّه وصيّةٌ لم تُكتب بعد، أو بابٌ إلى ذاكرةٍ لا تزال تقاوم الغرق.
خلفهُ، تتدلّى رافعةٌ ضخمةٌ كأنّها شاهدةٌ على معاركَ لم تُروَ، وأجهزةٌ صامتةٌ تراقبُ المشهدَ دون أن تتدخّل، كأنّها تعرفُ أنّ اللحظةَ أثقلُ من أن تُفسَّر، وأعمقُ من أن تُقال.
الضوءُ الصناعيّ ينسكبُ على ملامحهِ، فيرسمُ على وجههِ تجاعيدَ تشبهُ خرائطَ النجاة، ويكشفُ عن عينينِ لا تزالانِ تبحثانِ عن شيءٍ ما، شيءٍ لم يأتِ، وربّما لن يأتي، لكنّه يستحقُّ الانتظار.
كأنّهُ يقفُ على حافةِ العمر، لا ليودّع، بل ليُثبتَ أنّ الوقوفَ في وجهِ الريحِ هو شكلٌ من أشكالِ الحياة، وأنّ الخشبَ الذي بين يديه ليس أداةً، بل رمزٌ، وأنّ السفينةَ ليست مجرّدَ مركبٍ، بل وطنٌ مؤقّتٌ لمن لا وطنَ له.
ك: جنى محمد جوهر

