حين رتّبت الصدفة موعدنا بقلم كاتبة نجاه موسى

youssefeissa
By -
0

 

حين رتّبت الصدفة موعدنا بقلم كاتبة  نجاه موسى







لم يكن في نيّتي أن أخرج ذلك المساء. 

المدينة كانت مثقلة بضجيجها، وأنا مثقلة بما هو أثقل: أفكار لا تهدأ، وحنين لا أعرف إلى ماذا يعود خرجت فقط لأتنفّس، أو هكذا أقنعت نفسي. لم أكن أعلم أن الهواء نفسه كان يخبّئ لي وجهك

التقينا صدفة…

أو هكذا ظننت في البداية.

كنتَ تقف عند حافة الرصيف، تراقب المطر كأنه صديق قديم عاد بعد غيابلم أركَ بوضوح أول الأمر، لكن شيئًا ما في هدوئك شدّني شعرت كأن العالم، بكل صخبه، خفّ فجأة، ولم يبقَ سوى صوت المطر… وأنفاسي

حين التفتَّ نحوي، حدث ذلك الارتباك الصغير الذي لا يراه أحد غير صاحبه. نظرة قصيرة، لكنها كانت كافية لتربك ترتيب قلبي كله لم تكن نظرة طويلة، ولا جريئة، لكنها كانت مألوفة على نحو يخيف كأنني أعرفك منذ زمن لا أتذكره، كأنك ذكرى ضائعة استعادت شكلها فجأة أمامي

اصطدم كتفانا بخفة اعتذرتَ بابتسامة دافئة، وقلتَ كلمة بسيطة، لكنها استقرت في داخلي بطريقة غريبة، كأنها لم تكن اعتذارًا بل بداية جملة لم تكتمل بعد ضحكتُ دون قصد، ليس لأن الأمر مضحك، بل لأن قلبي احتاج مخرجًا لذلك الارتباك المفاجئ

سرنا في الاتجاه نفسه دون اتفاق لم نسأل لماذا، ولم نفكر حتى في التوقف كأن الصدفة كانت تمسك بأيدينا وتسير بنا، ونحن نطيعها بصمت

تحدثنا عن أشياء عابرة: المطر، ازدحام المدينة، برودة المساء. كلمات صغيرة، لكنها كانت تبني جسرًا خفيًا بيننا بين كل جملة وأخرى، كان هناك صمت قصير، لكنه لم يكن فارغًا كان ممتلئًا بشيء يشبه بداية حكاية تخجل من إعلان نفسها

كنتُ أشعر أنني لا أسير بجوار غريب، بل أعود إلى شخص تأخرتُ كثيرًا في لقائه

جلسنا في مقهى صغير احتمينا فيه من المطر الزجاج كان مغطى بقطرات متلاحقة، والضوء خافت بما يكفي ليجعل العالم خارجنا يبدو بعيدًا داخل ذلك الركن الضيق، شعرت أن الزمن تباطأ، كأنه منحنا مساحة إضافية لنفهم ما يحدث

تحدثتَ عن طفولتك كمن يفتح نافذة قديمة ضحكتَ حين تذكرت مواقف صغيرة، وحزنتَ للحظة حين مررت على ذكرى فقدٍ لم تشرح تفاصيله لم أسألك. بعض الحزن يحتاج فقط إلى شاهد، لا إلى أسئلة واكتفيتُ أن أستمع

وعندما جاء دوري للكلام، فوجئتُ بنفسي أقول أشياء لم أعتد قولها. أخبرتك عن خوفي من التعلّق، عن وحدتي التي أخفيها خلف انشغالي الدائم، عن ليالٍ طويلة أقضيها في التفكير دون سبب واضح. كنتَ تنظر إليّ باهتمام صادق، ذلك النوع من الإصغاء الذي يجعل الكلمات أكثر شجاعة

في لحظة صمت قصيرة، أدركتُ أننا تجاوزنا مرحلة التعارف العادي. كان هناك قرب يتكوّن بسرعة غير منطقية، قرب لا يعتمد على الزمن بل على الصدق

حين نظرتُ إلى الساعة، اكتشفتُ أن الليل سبقنا، الوقت مرّ خفيفًا، كأنه لا يريد أن يزعجنا خرجنا إلى الشارع، والمطر كان قد هدأ، تاركًا المدينة لامعة كأنها غُسلت لتوّها

سرنا دون كلام. لكن الصمت هذه المرة كان أثقل، ليس بثقل الضيق، بل بثقل ما لم يُقَل بعد. كنتُ أشعر بأن قلبي يمشي أمامي بخطوة، وأنني أحاول اللحاق به دون أن أبدو متسرّعة

توقفتَ فجأة. التفتُّ إليك، فوجدتُ في عينيك سؤالًا لم تنطقه بعد، 

قلتَ بهدوء:

«غريب… أن أشعر أنني أعرفك منذ زمن، مع أنني لا أعرف عنك إلا القليل.» 

ابتسمتُ ببطء، لم أملك الجرأة لأعترف أنني أشعر بالشيء نفسه، لكن نظرتي قالت ما عجز لساني عنه. كان هناك اعتراف صامت مرّ بيننا، واضح كضوء خافت، لا يراه أحد سوانا، 

عند أول مفترق طريق، توقفنا، لم نعرف كيف ننهي اللقاء. كلمة «وداعًا» بدت قاسية أكثر مما ينبغي، وكأنها إعلان نهاية لا نريدها. اكتفينا بنظرة طويلة، وعد غير مكتوب بأن هذه ليست النهاية، 

حين عدتُ إلى البيت، لم أشعر أنني عدت وحدي، كان في صدري حضورك، خفيفًا لكنه واضح، كأنك تركت جزءًا منك واستعرتَ جزءًا مني دون أن نلاحظ، 

تلك الليلة، لم أنم، 

كنتُ أعيد اللحظات مرارًا: ابتسامتك، صوتك، الطريقة التي نطقتَ بها اسمي عندما قلته لأول مرة. أدركتُ ببطء أن بعض الصدف لا تمرّ… بل تقيم في القلب، تعيد ترتيب غرفه، وتغيّر شكل الجدران دون ضجيج، 

ومن بين كل الأفكار التي عبرتني، بقيت فكرة واحدة ثابتة، هادئة، ومخيفة في جمالها:

أنني منذ تلك اللحظة…

لم أعد كما كنت



ڪ: نجاه موسى«وتين»

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)